الصفحات تفاعل الخطيب

تفاعل الخطيب

 ونعني به انفعال الخطيب مع خطبته وتفاعله معها، وهو من الأسس المهمة للأداء الجيد في الخطبة. وهذا التفاعل محله القلب، فإن تَأَثر الخطيب بما يقول انعكس ذلك على سامعيه، والكلام إذا خرج من القلب استقر في القلب كما يقولون:(كلام القلب للقلب)؛ وذلك لأن قرع الكلام ونبراته مهما كانت متقنه فإنها لا تؤثر إلا لبرهة عارضة. والبلاغة والفصاحة تحدث الإعجاب والاستحسان الوقتي، لكن المشاركة القلبية والأحاسيس النفسية التي تبدو في العيون الباكية والقلوب الحزينة والانفعال الذي يبلغ أحياناً حد الرعدة والارتعاش،ن حتى تسمع الهمهمات وربما الصياح، وتسمع الهتاف والتكبير وربما التوثب والقيام، كل ذلك لا يتأتى إلا بقدر تفاعل الخطيب النفسي والوجداني مع ما يقول بدون تكلف وتصنع، لهذا جاء في وصف خطبته صلى الله عليه وسلم كما قال جابر بن سمرة: (كان صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرّت عيناه وعلا صوته واشتدّ غضبه حتى لكأنه منذر جيش يقول صبحكم ومساكم) رواه مسلم وابن ماجه.
  وقد رأيت فيما سبق خطبته عليه الصلاة والسلام في الأنصار لما اعترضوا على قسمة الغنائم يوم حنين، كيف أنهم خضلت لحاهم بالدموع وأنهم كان يسمع لهم خنين.
 ثالثاً: الإشارة المعبرة:
   والإشارة كرفع اليد أو الأصبع أو الإشارة جهة الصدر كما قال عليه الصلاة والسلام: (التقوى ها هنا) وأشار إلى صدره ثلاث مرات، وكما شبك بين أصابعه حين قال: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً).
  وعموماً هي كل حركة معبرة لا تخرج عن حد الوقار والأدب، حيث تأتي بياناً لمواضع تغني عن الكلام، والإشارة أحياناً أبلغ من الكلمات في التعبير، كما قيل: (واللبيب بالإشارة يفهم)، وهي مهمة لجذب الانتباه، وليس التمثيل البهلواني الذي يخرج عن الوقار والأدب، كأن يدور ويقفز أو أن يلطم خده أو أن يمثل محاكياً في أثناء التحديث فكل ذلك لا يليق بمقام خطيب داعية وشعيرة يؤم الناس فيها.
4/ اللغة الصحيحة:
  ونعني بها الفصاحة والبيان واجتناب اللحن والركاكة، فإن ذلك أسّ الأسس جميعها، وقاعدة القواعد كلها للخطبة الناجحة المؤثرة.
  قال الإمام النووي رحمه الله: (يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة... بل يختار ألفاظاً جزلة مفهومة..) فقه السنة(1/236).
 إن ركاكة العبارات وفساد المخارج والعشوائية في التعبير بوضع الكلمات في غير محلها، واللحن المشين برفع المنصوب ونصب المرفوع وجر مالا يجر بما يخالف قواعد اللغة والنحو لأمر يثير الاشمئزاز وينفّر السامع ويفسد المعاني حيث يصل إلى أذهان الناس غير ما يريد، والأنكى أنه يوّرث الناس مثل هذه الأخطاء ويفتح الباب لكل دعيّ جهول أن يتسلق المنابر دون أهلية وبغير حق .
 هذا فضلاً عن أن عدم القدرة على البيان وضعف الفصاحة يؤدي إلى الإطالة المملة والتكرار المنفّر.
  فواجب على كل من يتصدّى للخطابة أن يجوّد بيانه ويقوّم لسانه بتعلم القواعد العربية وضبط كلامه وفقاً لها، فتأتي مخارجه صحيحة وألفاظه فصيحة.. ويتعلم قواعد البلاغة والبيان ويعرف الكنايات وأنواعها والاستعارة والمجاز والإطناب والإيجاز دونما تكلف أو تقعر فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن التقعر وهو طلب غريب الكلام والتكلف الظاهر في نطق الألفاظ والكلمات .
 والضبط اللغوي يعين الخطيب على ضبط الزمن وعدم الإطالة فيأتي بالكلام الموجز المعبر عن الكلام الكثير،وهذامن أرفع مقامات الفصاحة والبيان وهو ما يعرف بجوامع الكلم وقد خُصّ سيد الفصحاء صلى الله عليه وسلم بذلك كما قال عليه الصلاة والسلام: (أوتيت جوامع الكلم)، كما أنه يجذب قلوب الناس ويحببهم إلى الخطبة كما قال صلى الله عليه وسلم: (إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحراً) .
ثانياً: آداب الخطبة:
للخطبة آداب وسنن تجمل بها، ويحسن الأداء، ويتحقق الأثر النافع والثمرة المرجوّة ، ومن هذه الآداب والسنن:
1/ استقبال الناس حال الخطبة:
  أي يقصد تلقاء وجهه وهو يحدث الناس كما هو سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه لم يكن يخطب مستدبراً الناس ولا منصرفاً عنهم وإنما كان يستقبلهم بوجهه.. وكان يتنقل في صلاته إذا أنهاها تارة عن اليمين وتارة إلى اليسار وتارة جهة الناس، ولا يستقر في مقامه إلا قليلاً، وكانوا يعرفون أنه يريد أن يحدث الناس إذا استقبلهم بعد الصلاة مباشرة، وهذا هو الثابت المحفوظ من هديه كما نقله كل من وصف صلاته في كل مراجع السنة .
 وعدم استقبال الخطيب للناس يصرفهم عن وجهه ويكون سبباً في الضوضاء والجلبة ومثل هذا لا ينتفع به. والأدب المقابل لاستقبال الخطيب أن يستقبلوه بوجوههم أيضاً وهو كالإجماع كما ذكره ابن المنذر،وفي الحديث: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام على المنبر استقبله أصحابه بوجوههم) رواه ابن ماجه .
2/ الذكر في افتتاحية الخطبة:
ومن تمام الأدب في الخطبة أن الخطيب يقبل أولاً على الله تعالى بخطبته قبل الناس وهو في مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيجدر به أن يبدأ بذكر الله تعالى وحمده والثناء عليه، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد فهو أجذم) رواه أبو داوود وأحمد وفي رواية: (الخطبة التي ليس فيها شهادة (أي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله) كاليد الجذماء) رواه الترمذي وأبو داوود.
وعن ابن مسعود رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا تشهد قال: (الحمد لله نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله بالحق بشيراً بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه، ولا يضر الله تعالى شيئاً)) رواه أبو داوود .
وفي حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب قائماً، ويجلس بين (.....)ويقرأ آيات ويذكّر الناس)، وفي رواية: (كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قصداً يقرأ آيات من القرءان ويذكّر الناس).
وقد أوردنا حديث خطبة النبي صلى الله عليه وسلم في الحثّ على الصدقة وافتتاحيته لها بعد حمد الله تعالى والثناء عليه بالآيات من أول سورة النساء الآية (1) ومن سورة الحشر الآية (18) .
و من أهل العلم من أضاف إلى الآيتين الآيات من سورة الأحزاب (70-71).
3/الطهارة:
و السنة أن يخطب متطهراً ليست عليه جنابة و قد جعله كثير من أهل العلم شرطاً في صحة الخطبة إذا كانت للجمعة أو للعيدين، و الجمهور على المنع من قراءة القرآن للجنب المحدث حدثاً أكبر، و هو لابد له من قراءته في خطبته، فكيف يخطب و هو على هذا الحال..؟؟.
و لم يشترطوا الطهارة الصغرى و هي الوضوء ونحوه.
4/ الموالاة:
أي المتابعة و عدم الانقطاع و الانشغال بشئ سواها و هو الشرط في صحة الخطبة للجمعة، قال ابن قدامة في المغني (2/310)(فإن فصل بعضها من بعض بكلام طويل أو شيئ غير ذلك يقطع الموالاة لم تصح، و المرجع في ذلك العادة) أي المرجع في تقدير الفصل العادة و العرف عند الناس.
5/الدعاء:
يستحب للخطيب أن يدعو للمؤمنين و المؤمنات و لنفسه و الحاضري، و لا بأس عند بعض أهل العلم أن يدعو للسلطان أن يصلحه الله حيث أن بصلاحه صلاح الأمة!.. و قد منع منه الإمام مالك و كرهه صيانة للعبادة من الأهواء، و هو الصواب و الله أعلم.. و قد كان من هديه صلى الله عليه و سلم أن يرفع سبابته مفردة يدعو يها- (زاد المعاد). و قد استحسن بعض أهل العلم الترضي على الصحابة فيبدأ بالخلفاء الأربعة و العشرة المبشرين بالجنة ثم أصحاب بيعة الرضوان، و ذلك استحسن لأنه لما كثرت البدع و الفرق، و ظهر سب الصحابة على المنابر استحبوه، و لكنه ليس يلزم المداومة عليه.
كما استحسن عمر بن عبدالعزيز قراءة الأية(إن الله يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي يعظكم لعلكم تذكرون).. و ذلك إبطالاً لما كان من سب علي و آل البيت على المنابر
و على العموم فالدعاء في الخطبة سنة صحيحة ثابتة .